مولي محمد صالح المازندراني
44
شرح أصول الكافي
أولى بالإرادة لضرورة أنَّ الاستطاعة المطلقة الّتي هي التمكّن من الفعل بوجود الآلة مقدَّمة على الفعل ، وممّا يوجب حمله على هذا الاحتمال ما رواه الصدوق في كتاب التوحيد عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : « ما كلّف الله العباد بفعل ولا نهاهم عن شيء حتّى جعل لهم استطاعة ثمَّ أمرهم ونهاهم فلا يكون العبد آخذاً ولا تاركاً إلاّ باستطاعة متقدّمة قبل الأمر والنهي وقبل الأخذ والترك وقبل القبض والبسط » وعن عوف بن عبد الله عن عمّه قال : « سألت أبا عبد الله ( عليه السلام ) من الاستطاعة فقال : وقد فعلوا ؟ فقلت : نعم زعموا أنّها لا تكون إلاّ عند الفعل واردة حال الفعل لا قبله فقال : أشرك القوم ( ولكن مع الفعل والترك كان مستطيعاً ) بالاستطاعة التامّة ، وأمّا ما تحقّق قبلهما من مادَّة هذه الاستطاعة التي هي أيضاً من أفراد الاستطاعة المطلقة فهو بالقياس إلى الاستطاعة كأنّه ليس باستطاعة . ( قلت : فعلى ماذا يعذِّبه ؟ ) لمّا علم أنَّ الاستطاعة مقارنة للفعل وأنَّ المراد بها الاستطاعة التامّة المؤثّرة وتوهّم أنّها من فعل الله تعالى سأل عن سبب تعذيبه للعبد مع أنَّ الفعل ليس بمقدور له ( قال : بالحجّة البالغة ) وهي إرسال الرسل وإنزال الكتب ووضع الشرائع ( والآلة الّتي ركّب فيهم ) الّتي هي مادّة تلك الاستطاعة ( 1 ) والمقصود نفي ما توهّمه السائل وبيان أنَّ هذه الاستطاعة بتمامها ليست من فعله تعالى وإنّما مادَّتها وهي الآلة من فعله تعالى ، والبواقي من الاُمور الّتي لها مدخل في التأثير من فعل العبد ، فيعذِّبهم بسبب صرفهم تلك الآلة في غير ما خلقت لأجله مع التبليغ والإنذار ، ثمَّ أكّد إبطال ذلك التوهّم بقوله ( إنَّ الله لم يجبر أحداً على معصيته ) لأنَّ الجبر على
--> 1 - قوله « مادة تلك الاستطاعة » والاستطاعة بمنزلة الصورة فلا يقال للاستطاعة استطاعة إلاّ إذا تحرك الفاعل وعمل وحصلت صورة الفعل وهذا نظير أن يقال : هل يستطيع أحد أن يزهق روح الآخر ويقبضها ؟ فيجاب : لا يستطيع ، فإن هذا فعل الله تعالى بواسطة ملائكته ، فيقال : فكيف يقتله ويقتص منه ؟ يجاب : بما جاء فيه من القوّة والآلة وفعل أسباب الإزهاق فحضر مَلَك الموت وقبض روح المقتول فاستطاعة القتل متوقفة على شيئين ، الأوّل : تحرك القاتل واستعماله الآلة ، والثاني : حضور مَلَك الموت فقبل الفعل وحضور مَلَك الموت لا يحصل الاستطاعة كشريك في فعل ينتظر الآخر وبعد حضور مَلَك الموت يحصل الاستطاعة والقتل معاً فينسب القتل إلى القاتل لتسبيبه ويقتص منه لذلك وأما مَلَك الموت فمأمور بقبض الروح كلّما حصلت الأسباب والمعدات بيد مَن كانت ولو كان كافراً غشوماً والمقتول مؤمناً أو ولياً أو نبياً ، هكذا ينبغي أن يفسّر تلك الأخبار وبالله التوفيق . ( ش )